قراءة في مبادرة الشيخة موزة حول الإعلام المسؤول ..التصدي للفضائيات قضية مصيرية تستدعي تكاتف مؤسسات المجتمع المدني
صحيفة الشرق القطرية 28 ديسمبر 2008
بقلم: حسن حاموش
تأثير الإعلام في التنشئة الاجتماعية يفوق دور الأسرة والمدرسة.
الناس يخشون الملوثات الغذائية ويتجاهلون الملوثات الفكرية شديدة الخطورة.
الإعلام الهابط يفسد الأطفال والشباب ويعوق مسيرة التنمية.
التنشئة الاجتماعية السليمة تنشىء جيلاً سوياً والمشوشة تجعله منحرفاً.
غياب غير مبرر لمؤسسات المجتمع المدني عن التفاعل مع حملة الفضاء الإعلامي المسؤول.
التصدي لظاهرة الدور الهدام والتأثير السلبي للفضائيات ووسائل الاعلام على الشباب هل يشكل قضية اجتماعية ام انه قضية مصيرية جديرة بكل الاهتمام ؟ قد يبدو لعامة الناس انها لاتعدو كونها قضية اجتماعية تتراكم الى جانب المشاكل الاجتماعية الاخرى التي تتخم المجتمعات العربية، الأمر الذي يفسر تلك البرودة في التفاعل مع حملة التوعية "نحو فضاء إعلامي مسؤول" التي تمخض عنها منتدى الفضائيات. إلا أن خبراء العلم والاجتماع يجزمون بان القضية ليست بهذه البساطة التي ينظر اليها العامة بل اعمق من ذلك بكثير وهي من اهم القضايا المصيرية التي يرتبط بها مستقبل دول المنطقة وشعوبها.
ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة صاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند في الدعوة إلى التصدي لتلك الظاهرة في رسالتها السامية التي وجهتها إلى مؤتمر القمة الخليجية لدول مجلس التعاون في ديسمبر 2007، التي تضمنت دعوة صريحة للتصدي لظاهرة خطيرة تتمثل في التأثير السلبي والدور الهدام الذي تحدثه بعض وسائل الاعلام والقنوات الفضائية على النشء وفكرهم وتحتال في الوقت نفسه على مقدراتهم المالية. ثم استكملت المبادرة بمنتدى الفضائيات والتحدي القيمي والاخلاقي الذي يواجه الشباب الخليجي الذي عقد في نوفمبر الماضي.
وقد تضمنت الكلمة الختامية لصاحبة السمو في المنتدى الاجابات الواضحة لكل من يريد ان يفهم خطورة القضية وأهميتها. لا بل إن كل عبارة وردت في الكلمة تمثل جملة فلسفية متكاملة تختزل دراسات مطولة ومعمقة حيث قالت: " لقد حبا الله سبحانه وتعالى خليجنا ووطننا العربي بمزايا استراتيجية ومادية عديدة، كما حباهم اكثر بثروة بشرية هي ذخرنا الحقيقي، الذي علينا جميعا مسؤولية بل واجب رعايته والحفاظ عليه وذلك للاستفادة المثلى من طاقاته وقدراته سبيلنا الى تحقيق اهدافنا المشروعة نحو تنمية مستدامة"
وبذلك يتضح ان جوهر القضية هو الانسان وهو الثروة البشرية، فما قيمة التقدم والعمران والازدهار بدون انسان سوي مثقف متعلم ملتزم بقيمه وتقاليده وجذوره وهويته الوطنية. ولذلك أضافت سموها توضيحاً: " فلا يعقل أبداً وبلادنا العربية تمضي في خطط طموحة لتحديث التعليم والبحث العلمي ان يترك الحبل على غاربه لبعض القنوات الفضائية لتهدم ما يبنيه غيرها ".
القضية هنا تتعلق بهدم جيل بكامله وحرفه سلوكياً وأخلاقياً وثقافياً وفكرياً، فيما الناس يمرون على القضية مروراً عابراً وقد يزيد الامر غرابة هلع الناس لمجرد تداول خبر عن ملوثات غذائية وكيف يظهرون خشيتهم على صحتهم وصحة أولادهم، بينما نجدهم غير مكترثين لانتشار وباء الملوثات الفكرية والاخلاقية وهو اشد فتكاً وتأثيراً على الإنسان، فالملوثات الغذائية يسهل علاجها، أما الملوثات الإعلامية فإنها تنتشر في النفوس مثل المرض الخبيث ان لم تتم معالجته في البداية يصعب اجتثاثه في النهاية.
وإزاء هذا الواقع المرير اطلقت سموها دعوة حاسمة وحازمة:" يجب ألا نترك بعض القنوات الفضائية الهدامة معولا يحطم الركائز الاخلاقية والاجتماعية لمجتمعاتنا او يعرقل طموحاتنا العلمية والتعليمية المشروعة. فكيف تغرس مؤسسات التعليم الوعي العلمي وتترك مثل تلك القنوات لتمارس فنون التخدير فتغيب عقل الشباب وتجعله يبدو غريباً عن مجتمعه بعيداً عن أصوله وجذوره".
ولكي نفهم بعمق هذا الكلام البليغ لسموها لابد من الاستطراد نحو الاسس التي تقوم عليها عملية بناء الاجيال وتكوين الشخصية والسلوك الإنساني.
إن التربية المدنية وفقا للمفهوم الشائع اوالتنشئة الاجتماعية وفقاً للمفهوم العصري هي الوسيلة الاساسية لاكساب الفرد، طفلاً أو مراهقاً أو راشداً سلوكاً وقيماً تحدد توجهه واتجاهاته.
ويصف عالم الاجتماع دور كايم التنشئة الاجتماعية بانها العملية التي من خلالها يتم دمج ثقافة المجتمع في الفرد ودمج الفرد في ثقافة المجتمع. وهي مجموعة من العمليات التي يكتسب خلالها الفرد الاتجاهات والقيم والسلوك ذلك لكون الفرد ينتمي الى كينونة ثقافية داخل مجتمعه. وبحسب الفطرة الانسانية فان الآباء هم أصحاب الدور المباشر في تنشئة الابناء من خلال تعليمهم لابنائهم المسموح والممنوع وهي عملية تستمر طوال حياتهم، ذلك أن اكتساب المعرفة والاتجاهات والقيم وانماط السلوك الاساسية يتم اكتسابها وتستمر مع الفرد طوال حياته. فما يكتسبه الفرد في بداية حياته من مفاهيم عامة يظل مترسخا معه في الكبر.
وتتكون عملية التنشئة من عدة عناصر اساسها الأبوان أو الأسرة ثم المدرسة ثم الاصحاب والمجتمع والإعلام. وعلى الرغم من أن عملية التنشئة تشتد في مرحلة الطفولة إلا انها تستمر في مرحلة المراهقة وحتى البلوغ. وهذا ما أشارت إليه سموها بالقول : " إن أي مشروع إصلاحي طموح يهدف الى بناء اجيال شابة وواعية يقوم على دعامتين اساسيتين هما الاسرة والمؤسسة التعليمية غير ان الاسرة والتعليم وحدهما وفي ظل ثورة التكنولوجيا والمعلومات التي نعيشها لايمكن ان ينجحا بغير مساعدة الإعلام".
وبذلك فان التنشئة مجموعة عوامل تربوية واجتماعية ونفسية يختزلها الاعلام وتصب جميعها في اطار ثقافة المجتمع وهي عبارة عن غرس ثقافي للاجيال او نقل للعناصر الثقافية بكل معانيها المادية والمعنوية الى النشء، فإذا كانت التنشئة سوية فإن الشباب سيكونون اسوياء متكيفين ومتفاعلين مع بيئتهم ومجتمعهم. وإذا كانت التنشئة غير سوية ومشوشة فإننا امام جيل منحرف متمرد جاحد بكل القيم والمعايير متنكر للهوية والجذور وعبثي الولاء والانتماء.
دور الإعلام وأثره
هكذا تتوضح لنا اهمية التنشئة في صناعة المستقبل من خلال جيل المستقبل ولكن كيف يؤثر الإعلام في عملية التنشئة وكيف يتحول الى مصدر خطر على النشء؟
ان اساس الاعلام هو نشر المعرفة باعتبار ان تفسير كلمة اعلام في اللغة تعني الاطلاع على امر ما بحيث يقال فلان أعلم فلان بالامر أي اطلعه عليه. ويتكون الإعلام من ثلاثة عناصر المرسل والمستقبل والرسالة مما يجعله عملية تفاعل بين مرسل ومستقبل. وقد تختلف ادوات المرسل التي تعرف بالوسائل الاعلامية في حين يبقى المتلقي واحداً وهو الإنسان الذي يشكل الميدان الوحيد والحصري للإعلام.
إن الإعلام هو المادة الخام للمعرفة وقد تعززت قوة الإعلام بفعل ثورة تكنولوجيا الاتصال والتحديث والتطوير حتى غدت وسائل الإعلام تسيطر على ميادين المعرفة كلها مما مكنها من التحكم في توجيه الرأي العام والميول والرغبات فضلا عن تنامي دورها في الفكر والثقافة والعالمية.
ويقول الأستاذ احمد فراج مستشار رئيس مجلس الشعب المصري ان تأثير وسائل الاعلام يتركز على الثقافة والقيم والمواقف والاتجاهات والانماط والسلوك وقد تعمق ذلك بفضل ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصال التي سحبت نسبة كبيرة من دور وسائل الإعلام التقليدية لحساب وسائل الاعلام العصرية، حيث بات الدور الأكبر للتلفزيون والإذاعة والإنترنت فيما تراجع دور الصحف والمجلات والمطبوعات. وذلك نظرا لانتشار الأمية في الوطن العربي بنسبة كبيرة تصل إلى 47 % لمن هم فوق الخامسة عشرة وبنسبة تصل إلى 60 % لمن هم في الأرياف والمناطق النائية.
ووفقا لعالم النفس هوفمان فإن وسائل الإعلام العصرية تقوم بدور رئيسي وجوهري في غرس القيم والتأثير على السلوك الإنساني من خلال جعل الفرد يتقبل كل ما يعرضه الإعلام مما يحول الأبناء أمام الفضائيات والسينما إلى ما يشبه الاسفنجة التي تمتص كل ما تتعرض له. وعلى هذا الأساس نكتشف أن تأثير الإعلام على الشباب، خصوصاً على الأطفال كبير ومباشر إلى درجة يصعب معها التنبؤ بالنتائج النفسية في شخصية الطفل مستقبلاً، خصوصا أن القنوات الفضائية ترسخ في ذهن الطفل قيماً ومعتقدات تتعارض مع مجتمعه وجذوره.
ولمزيد من التوضيح لابد من ربط النظريات العلمية بالوقائع والبراهين، حيث كشفت دراسة لمنظمة اليونسكو شملت 23 دولة ان مشاهدة برامج العنف في الفضائيات كانت سبباً لارتفاع معدلات العنف لدى الأطفال والشباب. ووفقاً للدراسة فإن الأطفال يمضون أكثر من ثلاث ساعات يومياً أمام التلفزيون وينظرون إلى الأبطال في المسلسلات والأفلام على أنهم نماذج وقدوة بصورة تعزز رغبتهم بالتقليد الأعمى لما يشاهدونه.
إن كثيراً من الدراسات والأبحاث أثبتت أن المشاهدين يتفاعلون بصورة انفعالية مع ما تعرضه شاشات الفضائيات من أفلام عنف برامج إخبارية وغيرها بل يحاولون تقليد حركات وتصرفات ما يشاهدونه، وأثبتت دراسات أخرى أن هناك تأثيراً سلبياً "للتلفزيون" من خلال أفلام العنف ففي ولاية كاليفورنيا الأمريكية وصلت نسبة المراهقين بين مرتكبي جرائم القتل والعنف 10%، وفي عام 1999 ارتفعت هذه النسبة إلى 19% بفضل ما يعرضه التلفاز الأمريكي من مشاهد للعنف والعدوان والقتال، سواء أكان عنفاً ترفيهياً أو إخبارياً.
وفي المقابل أثبت علم النفس أن الآثار المباشرة لمشاهدة العنف التلفزيوني هي نفسها التي تصيب الشخص لدى تعرضه للعنف فعليا، وذلك استناداً إلى ضربات القلب المتسارعة وارتفاع ضغط الدم وسيطرة التوتر العصبي. - ويقول الأستاذ علي راضي حسانين إن البحوث أكدت وجود علاقة وثيقة بين السلوك العدواني والتعرض لما تبثه الفضائيات. وأوجز أهم الآثار التي تتركها مشاهدة العنف على النحو التالي:
1- رفع حدة الآثار النفسية والعاطفية عند الفرد مما قد يقود إلى ارتكاب سلوك عنيف تجاه الآخرين. ويتوقف سلوك الفرد العنيف (أي استجابته للمشاهدة) على مدى إحساسه وشعوره بالإحباط والضيق والتوتر.
2- تعزيز السلوك القائم بالفعل داخل الفرد. حيث تعمل المشاهدة للعنف أو قراءتها على تعزيز وتدعيم السلوك الموجود أصلا عند المشاهد وذلك لأن الشخص العنيف يسبب دوافع العنف داخله – يرى السلوك العنيف المتلفز على أنه تجربة حقيقية.
3- التعلم والتقاليد: من المعروف أن إحدى طرق تعلم الإنسان هي التقليد والمحاكاة، من هنا تأتي خطورة عرض أفلام العنف لأن البعض قد يقلدها على غرارها.
وتقدم الباحثة الأمريكية دوروثي ستينجر مقارنة مثيرة بين آثار البرامج التلفزيونية، على الأطفال وبين آثار اللعب بالدمى الذي كاد ينقرض بفعل استحواذ التلفزيون على وقت الأطفال. ففي اللعب مع الدمى يقوم الطفل بمخاطبة دماه بلغة مبتكرة سابحة في الخيال الحر والآفاق الرحبة، بحيث تكون كل دمية بالنسبة إليه ذات هوية معينة، ولها اسم ووظيفة ودور، وأثناء محادثة الطفل لشخصياته المتخيلة، يكون بمثابة الأديب الذي يصوغ مسرحيته الخاصة، من بنات أفكاره.
أما بالنسبة للطفل المستلب تلفزيونياً، فهو وإن أراد أن يلعب مع دماه أثناء غلق التلفزيون، يكون مرهوناً للشخصيات التي هيمنت على تفكيره وانطبعت بالكامل في ذهنه. ومما يتفق عليه خبراء التربية أن التلفزيون وإن كان يفيد في إمداد الطفل ببعض المهارات والمعارف، فإنه لا يمكن أن يثري خيال الطفل، أو يعزز إبداعه.
وعلى الرغم من ان الأمثلة التي أوردناها تتناول اثر الاعلام من خلال برامج العنف. فإن الأمر ينطبق أيضا على سائر البرامج والافلام الاخرى التي تخاطب الغريزة وتحض على التمرد على القيم والأخلاق.
إن المشكلة إذن ليست مع الإعلام متى كان رسالة سامية لكنها مع بعض الإعلام ومع مواده الملوثة للفكر والأخلاق وهذا ما تجلى في قول سموها:" إننا نشجع الإعلام الجاد والحريص على المشاركة في التوعية والتنمية وندعم رسالته المكملة لدور الاسرة ومؤسسات التعليم.. إن الإعلام المسؤول هو الذي يقدم القدوة الحسنة التي يجب أن يحتذى بها والنماذج المشرفة التي ينبغي محاكاتها، وليس تلك الصور الماسخة التي تتسلل إلى مخيلة شباب منطقتنا من خلال تلك القنوات التي تستغل الفراغ الذي يعيشونه."
دور الوقاية التوعوية
أمام هذا الواقع تبرز أهمية الوقاية والتحصين وفقاً للمثل القائل درهم وقاية خير من قنطار علاج. فالوقاية هي أقصر الطرق لحماية أجيالنا لا بل إنها واجب وطني وفقاً لقول سموها :" ان تحصين ووقاية ناشئتنا من تأثير البرامج والمواد المخلة بالحياء المنافية للآداب والأخلاق العامة التي تبثها بعض القنوات هو قبل أن يكون مطلبا اعلاميا اعتبره اولا وقبل كل شيء واجبا وطنيا ورهانا يهم كافة افراد المجتمع".
إن الوقاية التي تمثل واجبا وطنيا هي في الاساس واجبا دينيا حيث يقول الداعية فتحي يكن: إن من جودة الإسلام، والإسلام كله جودة، اعتماده المنهج الوقائي وتفردَه وابداعَه واهتمامَه في ذلك الاهتمامَ البالغ.
والوقائية صفة أصيلة ومتلازمة مع كل جانب من جوانب الإسلام ..
فهو وقائي في مجال العقيدة، حيث تمثل التقوى ذروة سنام الوقاية.. فالذي يتقي الله، هو الذي يتقي سخطه ويلتزم حكمه وهو وقائي في مجال العبادة.. إذ أن الاستقامة والبعد عن الفحشاء والمنكر ثمرة من ثمرات الصلاة والصوم وغيرها.. فالوقائية تبدو جلية في قول الله تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وهو وقائي في مجال التشريع.. إذ أن الأحكام الشرعية التي من شأنها تنظيفُ المجتمع من الموبقات، إضافة إلى العقوبات الإسلامية الزاجرة من شأنها أن تحفظ المجتمع سليماً معافى.
هذه التساؤلات نناقشها في الحلقة المقبلة.














