شكراً صاحبة السُموشكراً صاحبة السُمو
بقلم : د.يوسف الإبراهيم (الخبير الإعلامي) ..
صحيفة الراية القطرية
27 نوفمبر 2008
في عام 2007م استشعرت سمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند، رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في دولة قطر، خطورة ما تحدثه بعض القنوات الفضائية وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة من تأثيرات سلبية على الشباب، تتمثل في ثالوث تغييب العقول، وتمييع الثقافة، فضلاً عن استغلال مواردهم المالية.
ولخطورة هذه القضية، وجهت سموها رسالة كانت بمثابة بارقة أمل، إلى حضرة صاحب السمو الأمير المفدى، رئيس المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الثامنة والعشرين، التي عقدت في دوحة الخير، خلال الفترة من (3-4 - ديسمبر - 2007م)، وقد أشاد مجلس التعاون بما تضمنته رسالة سموها وثمن اهتمام المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الدولة وكلف آنذاك اللجان الوزارية والفنية المختصة بدول مجلس التعاون دراسة هذه الظاهرة الخطيرة، وتقديم مقترحات وبرامج محددة للتعاون معها.
وفي هذا الإطار، تقدمت دولة قطر بدراسة عن التأثير السلبي لبعض وسائل الإعلام على النشء، وقد قمت بإعداد هذه الدراسة، التي كانت ضمن بنود جدول الأعمال، لكل من اجتماعات وكلاء ووزراء الإعلام بدول المجلس التي عقدت في الدوحة من (3-4 - نوفمبر -2008م) متزامنة مع عقد منتدى الفضائيات والتحدي القيمي والأخلاقي الذي يواجه الشباب الخليجي، نحو فضاء إعلامي مسؤول ، وذلك في الفترة من (2-3 -نوفمبر - 2008م) تحت الرعاية الكريمة، لصاحبة السمو الشيخة - موزة ، والذي شارك فيه ما يقارب الـ: (350) شخصاً من الخبراء والأكاديميين وصناع القرار.
وقد وافق وزراء الإعلام بدول المجلس على إحالة توصيات المنتدى إلى قمة مسقط لتكتسب هذه التوصيات ثقلا على مستوى التنفيذ في المحاور الأربعة التي تناولها المنتدى القانوني والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، ورغم الاقتناع الذي هيمن على فكرة دعوة صاحبة السمو والمشاركين في المنتدى بأن لكل ظاهرة جوانبها الإيجابية والسلبية، إلا أن التقدم المذهل لوسائل الاتصال الحديثة، قد أثار حقا مشكلات عديدة وأصبح الانفتاح الزائد على العالم يهدد بحق الهوية الثقافية للشعوب، عبر الرياح الآتية عبر الفضاء، وما تمثله من تهديد على شخصية وثقافة النشء.
فالسماوات المفتوحة جعلت بحق الفضائيات، والإنترنت يقتحمان البيوت دون استئذان، حيث خلقا واقعاً جديداً لم تكن شعوب المنطقة، ومؤسساتها، قد هيئت للتعامل معه، سواء من النواحي الإدارية او الاجتماعية أو السياسية، كما أن الأفراد، وخاصة الفئة العمرية الغالبة من السكان، وهم فئة النشىء والشباب، لم يكونوا على درجة كافية من النضج والوعي اللازمين للتعرض لما تقوم به وسائل الاتصال من حيث الانتقاء لما تبثه تلك الوسائل بشكل نقدي ومفيد وضار.
ورغم أهمية التعامل مع ظاهرة الفضائيات في إطار شامل يأخذ في اعتباره كل الأبعاد، فقد انصب الكثير من اللوم على مالكي هذه القنوات الفضائية التي تعبث من خلال بثها اليومي بأخلاقيات المجتمعات الخليجية بشكل خاص، والعربية بشكل عام وتكرس لدى الجميع الاقتناع بأنه حان الوقت لوضع حد لاستهتار هذه الفضائيات، وإيجاد ميثاق شرف أخلاقي لما تبثه، إضافة لإيجاد وثيقة إعلامية تنظم هذا البث الفضائي المسيء للقيم والأخلاق، والتعامل معه بحزم، وخاصة فيما يتعلق بالتراخيص الممنوحة للراغبين في فتح مثل هذه الدكاكين الفضائية - إن صح التعبير - التي تبث إرسالها من المدن الإعلامية الموجودة مع الأسف الشديد في الدول الخليجية والعربية.
لقد نجح المنتدى بكل المقاييس في تدارس ما تضمنته رسالة سمو الشيخة موزة، وخرج بتوصيات مهمة، وعلى دولة قطر الاستمرار والعمل على متابعة هذه التوصيات وتنفيذها.
ومن خلال مقالي هذا، أطالب أصحاب الأقلام، في طرح ومناقشة ما تمخض عنه المنتدى من توصيات، استثماراً لهذه الخطوات المباركة توسيعاً لقاعدة المشاركة في التصدي لظاهرة الهبوط وحماية أبنائنا منها، ومن ثم حماية المستقبل الذي سيصنعه هؤلاء الأبناء.
ولقد أكدت سموها في كلمتها الجامعة في اختتام منتدى الفضائيات، أن التصدي للتأثيرات السلبية للقنوات الفضائية المنافية للآداب والأخلاق العامة، ليس مطلباً إعلاميا فقط، وإنما أيضاً واجب وطني ورهان مجتمعي، فكيف يمكن أن نطمح إلى إصلاح شامل، وتنمية مجتمعاتنا، وعقول شبابنا - ثروة الأمة الأساسية - مستلبة ومغيبة بفعل معاول الهدم التي تمارسها بعض القنوات الفضائية باستهدافها قيم المجتمع وأخلاقه، ولفتت سموها النظر لمقاربة جديدة للتصدي للتحدي القيمي، من خلال السعي للقضاء على ما أسمته بالأمية الإعلامية السائدة التي تستغل من قبل هذه الفضائيات بهدف هدم ما تم بناؤه من قبل مؤسسة الأسرة، ومؤسسة التعليم، وذلك من خلال تمكين المجتمع من القدرة على التمييز بين الغث والسمين.
ولا أملك إلا أن أردد مع صاحبة السمو ذلك البيت العظيم من الشعر الذي أشارت إليه في كلمتها في المنتدى، وأدعو كل المعنيين لترديده وتحويله إلى واقع في اجهزة الإعلام الخليجية والعربية.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لقد أسدل الستار على منتدى الفضائيات والتحدي القيمي والأخلاقي الذي يواجه الشباب الخليجي، نحو فضاء إعلامي مسؤول ، ولكن هذه التظاهرة الكريمة لن تؤتي أكلها دون متابعة أمينة لما خلصت إليه، بوضع خطة طموحة لحملة إعلامية مضادة ضد هذا التلوث الفضائي على المستويين الخليجي والعربي، وإنشاء مجلس أو هيئة تحت مظلة مؤسسة قطر للتربية وتنمية المجتمع، وبالتعاون مع المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، يضم ذوي الاختصاص، لمتابعة ما ستتمخض عنه خطة هذه الحملة الإعلامية وما يتم إنجازه من خلال الأمانة العامة لدول المجلس لهذا الخصوص، وبعد المبادرة التي انطلقت من الدوحة، أصبحت الدوحة محط الأنظار لاحتضان هذا الكيان الجديد الذي سينظر إليه كمرصد إعلامي يأخذ على عاتقه متابعة الأداء الأخلاقي للفضائيات، في إطار المسؤولية الاجتماعية.