القيم والبدائل ودورها في تدعيم الفضاء الإعلامي المسؤولالقيم والبدائل ودورها في تدعيم الفضاء الإعلامي المسؤول
صحيفة الشرق القطرية 02 مارس 2009
بقلم علي الرشيد
حملة "نحو فضاء إعلامي مسؤول" لحماية الشباب من الملوثات الفكرية والأخلاقية التي تبثها الفضائيات الهابطة، التي انطلقت منذ نوفمبر الماضي جهد مقدر يسجل للقائمين عليها، خصوصا بعد أن قطعت شوطا مهما في التوعية المجتمعية التي لم تقتصر على الفئة المقصودة أساسا (الشباب) فقط ، بل تعدتها إلى الشرائح التي هي على تماس بها.
ولأن حماية الشباب، سواء كانوا أبناء في منظومة الأسر أو طلبة في المدارس والجامعات مسؤولية الآباء والأمهات والمربين، مدرسين ومديرين واختصاصيين اجتماعيين فقد توجهت الحملة إليهم بورش عمل خاصة في الفترات الأخيرة، نظرا لما ينتظر منهم في إطار عمليات التوجيه والنصح والمتابعة، وتحويل التعامل الرشيد مع وسائط الإعلام إلى منهج تدريبي نظري وعملي ضمن ما يعرف في بالتربية الإعلامية.
ومع أهمية التوعية بمخاطر وسائل الإعلام الهابطة للحد من تأثيراتها السلبية على الشباب، ولتحصينهم من سموم وسائلها المسفّة في إطار حملة إعلامية توعوية، فإننا نعتقد بأن حماية الناشئة والشباب من فيروسات مخرجاتها بصورة فاعلة ومؤثرة يجب أن ينتظم في إطار جهد استراتيجي تتبناه الأمة وينصب على أمرين اثنين: الأول التركيز غرس القيم الفاضلة منذ الصغر وطوال مراحل التعليم الأساسي، التي تمثل وازعا داخليا هو بمثابة سياج واق يحول دون التأثر بهذه الوسائل أو الوقوع في شرك احتيالها على فكر الناشئة ومقدراتهم المالية والذهنية، والأساليب الماكرة في استدراجها لهم، والآخر: إيجاد البدائل الإعلامية للإعلام الهابط، لاسيما في المجال المرئي، لأن الصورة تجمع بين الجاذبية وقوة التأثير ويصعب مقاومة متابعتها من الكبار قبل الصغار حتى من أشد الناس شغفا بالمطالعة والقراءة.
ويشترك في بناء القيم منذ نعومة أظافر الأبناء كل من أولياء الأمور والمدارس ووسائل الإعلام والنوادي الشبابية والمساجد في إطار تكاملي، ومن ثم كان لابد أن تسعى معا لتشكيل خلفية حضارية تستجيب لحاجاتهم وتحصنهم من الذوبان والانسياق.
ويمكن أن تحدد أهم القضايا التي تحكم فضاء الطفل في العالم المعاصر وتؤثر في تشكيل وجدانه في: الأسرة على ضوء التغيرات الحديثة، ووسائط التواصل وكيفية التعامل معها، ومحيط الأصحاب وتعدد أنماط تنشئتهم الاجتماعية، والنظم التعليمية السائدة.
وفي ظل الصراع المحتدم لتذويب وتغييب ثقافتنا العربية والإسلامية الأصيلة، كان لابد من التحرك السريع والواعي لإعادة الاعتبار لموضوع القيم، وبيان أهميتها وتعزيزها والمحافظة عليها في نفوس الأجيال، إذ بالمحافظة عليها حفاظ على كينونتنا وخصوصيتنا وأسباب بقائنا كأمة، واستعادة دورنا الحضاري.
ومعلوم أن القيم تلعب دورا أساسيا في توجيه ميول وطاقات الأطفال والشباب باعتبارها المصدر والموجه والقانون والمعيار والضابط المنظم لأفكارهم ومشاعرهم وجهودهم وطاقاتهم ومواردهم المتاحة.
ولأننا نركز الحديث على وسائل الإعلام والاتصال فلابد أن نشير إلى أن الدراسات في مجال التأهيل الاجتماعي تشير إلى أن تنشئة الطفل اجتماعيا تمر بشبكة متداخلة من العناصر التي تتمثل في القواعد الاقتصادية والسياسية والأعراف والعلاقات الاجتماعية، وتشكل وسائل الاتصال بالجماهير مكانة متميزة بين كل هذه العناصر باحتلالها "مركز الوسيط بين المجتمع والطفل".
ويرى المهتمون في هذا الشأن أن وسائط الاتصال الحديثة صارت تشكل تأثيرا كبيرا في مجال التربية، وهذه الوسائط هي أوعية حاملة للقيم على اختلاف توجهها، وتتوجه بشكل مكثف إلى مخاطبة الطفل والمراهق والشاب كأوسع قاعدة قابلة للتأثر، وبحسب الدكتور خالد الصمدي فإن أكثر التلاميذ حماسة واجتهادا، الذي ترعرع في كنف الدين وعلى درجة عالية من الثقافة يحتاج إلى قدر من الملاطفة والمحايلة لكي يتناول كتابا ويشرع في قراءته، بينما نجد الوالدين في حاجة إلى جهد كبير لإبعاد أولادهم عن شاشة التلفزيون وألعاب الفيديو.
إن هذا يحمل في طياته رسالة مهمة وهي أن الأطفال يفضلون مشاهدة التلفاز، مهما ناقشنا مزايا ومساوئ هذه الظاهرة وقتلناها بحثا فإن ذلك لن يغير من تلك الحقيقة البسيطة شيئا.
ووفقا لفرانك كيليش في كتابه "ثورة الانفوميديا: الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك"فإن" الصورة المرئية بمنزلة حلوى عقلية ذات مذاق لا يقاوم، فالأطفال يروق لهم أن يروا أشياء جديدة ومختلفة، ولديهم قدرة مدهشة على استيعاب الصور، وفي استطاعتهم استيعاب المفاهيم المرئية والمسموعة على نحو أسهل بكثير من القراءة والتخيل".
ويتضح أن التحدي الأكبر الذي يواجه المربين هو كيفية التعامل مع الإنتاج الإعلامي المتطور والمتسارع، وكيفية الاستفادة من هذه الوسائط الهائلة في غرس القيم الفاضلة التي تخلق مناعة لدى الطفل يحكم من خلالها على الجيد من الرديء من البرامج، فينتقي منها ما يفيد تكوين مداركه وقدراته ويستمد منها طاقاته.
وبموازاة ذلك لابد من التفكير في مسؤولية كبرى أخرى هي توفير البدائل على مستوى الإنتاج الإعلامي السمعي والبصري التي تستطيع توفير المواد الإعلامية النظيفة التي تجمع بين التشويق والجاذبية وقوة التأثير في الأطفال لأنها ستقود إلى توجه الناشئة إليها بشكل تلقائي، وترك الفاسد مما يطرح في السوق الإعلامي والقنوات الهابطة.
إن استثمار وسائل الإعلام في غرس القيم والبحث عن البدائل الإعلامية النظيفة الموجهة للأطفال والنشء والشباب في إطار خطة استراتيجية تتكاتف جهود الأسرة والمدرسة والمسجد والنادي جنبا إلى جنب هي الضمانة الأقوى التي ستقود إلى حماية أجيالنا من ملوثات القنوات الهابطة مع عدم إهمال تأثيرات الوسط المحيط بهم طبعا.
مع الشكر مجددا لكل جهد توعوي يقود إلى حماية أجيالنا وتحصينهم في المجال الإعلامي.
Alirashid3@hotmail.com