فبراير 2009
 
١
٢
٣
٤
٥
٦
٧
٨
٩
١٠
١١
١٢
١٣
١٤
١٥
١٦
١٧
١٨
١٩
٢٠
٢١
٢٩
٣٠
٣١
في صراع «الفن الرفيع» و«الفن الهابط»

في صراع «الفن الرفيع» و«الفن الهابط»

 
صحيفة العرب القطرية 2 فبراير 2009
إسماعيل طلاي 
حينما تتصفح مواقع الإنترنت وتطالع عناوين الصحف العربية، أو «تتيه» بجهاز الريمونت كونترول عبر عشرات المحطات الفضائية، يشدك الذهول لـ «غزارة» الأخبار التي تقرؤها حول آخر الأعمال التي أنتجها فنانون ومطربون وممثلون عرب، لاسيما في شهر رمضان! بالمقابل، بالكاد تعثر على أخبار «شحيحة» عن آخر الكتب المؤلفة والندوات العلمية والمحاضرات الأكاديمية.
وحينما تطرح السؤال، تتضارب الآراء، وتسمع اتهامات متبادلة، غالبا ما تكون حصة الأسد فيها للفنانين لأنهم يشجعون «فن الابتذال»، كما يردد خصومهم من الأدباء والشعراء وأصحاب «الفن الراقي»، بينما يرد «المتهمون» بأن الجمهور أنصفهم سلفا، ولا يهم ما يقال عنهم. فهل الذنب يقع على هؤلاء الفنانين والممثلين فعلا لأنهم ملأوا الدنيا بأغانيهم وأفلامهم التي تنعت بأنها تروج لثقافة «الفن الهابط» وإنتاجات فنية فارغة، عجز أصحابها عن الإبداع فلجأوا إلى «سلق البيض»! أم أن فناني الأغنية الجاهزة على طريقة «Take away» يدفعون ضريبة نجاحهم وشهرتهم التي اكتسبوها نظير مثابرتهم، بينما يقف أصحاب الأدب «الرفيع» في موقع «المتفرج»، و «الشاكي».. وكفى، على حد تعبير خصومهم أيضا!
إنها إحدى حلقات «لعبة القط والفأر» و «مسلسل الاتهامات» التي تغرق فيها معظم الدول العربية التي تشهد نقاشات لا نهاية لها وصراعات وتبادل للاتهامات، تارة بين الحكام والشعب، وتارة بين جيل الشباب والأجيال السابقة، واليوم بين ما يسمى بأصحاب فن « السنادويتش»، أو الوجبات الخفيفة، و»الفن الملتزم»، الذي يقال إنه لم يعد يوائم الأذواق وتطورات عصر السرعة، وهلم جرّ من النقاشات «البيزانطية» أحايين كثيرة، والتي لا يراد لها أن تنتهي!
عشرات المقالات التي كتبت في الموضوع، ولا يبدو أن النقاش سينتهي عاجلا. ولا من حل توافقي في الأفق. أما المشاهد «حائر»، مغلوب على أمره، يستهلك ما يعرض عليه دونما أن يسلم من اتهامات تنعته بـ « القصور» لأنه «عاجز» عن «غربلة» ما يدخل بيته عبر الأسطوانات اللاقطة، ولا يفرز الغث من السمين.
عشرات الصحف المطبوعة عبر الدول العربية تخصص بدورها جانبا كبيرا من صفحاتها لأخبار المنوعات التي أثبتت أنها تحقق مقروئية كبيرة جدا، قياسا بأخبار السياسة والبرامج الحوارية التي أصبحت تشعر القراء والمشاهدين بالملل أحيانا كثيرة.
الصحف والفضائيات لا تجد حرجا في تخصيص مساحات وملزمات بعينها لصفحات المنوعات، تترصد أخبار زيجات الفنانين وطلاقهم وصراعاتهم الفنية، بينما يتدفق رأس المال العربي ويتنافس على إطلاق مزيد من الفضائيات الغنائية، حجتهم في ذلك: إن المواطن العربي ملّ من أخبار الدم والدموع ومن حقه أن يرفه عن نفسه.
أو ليست صحيفة «الصن» الأكثر توزيعا بالمملكة المتحدة، وهي التي تعنى بأخبار المشاهير وفضائحهم وترتفع مقروئيتها بسبب إقبال القراء على الصفحة الثانية من الجريدة، والتي لا تحمل تقارير سياسية ولا حوارات ولا دراسات إستراتيجية، بل صورة لفتاة عارية تثير إعجاب شعب يقال إنه يملك أفضل ديمقراطية في العالم، وتتنافس فتياته لإرسال صورهن، أملا في نشرها في الصفحة التي تحقق لهن الشهرة!
بعد كل ذلك، أليس من حق المواطن العربي أن يقتدي بنظيره البريطاني ويقبل على أخبار الفن والرقص التي تمسح عنه سحابة الكآبة التي تفرضها منذ عقود أخبار الدم والدموع وقمع الأنظمة واستبدادها؟، أولا يقول العلامة ابن خلدون: إن المغلوب مولع بتقليد الغالب.
إنها حالة أشبه بـ «فترة مخاض» تمر بها الثقافة في الوطن العربي، ولا يبدو أن هناك نقاشا «هادئا» للوصول إلى مخرج سليم، وحل توافقي يحفظ للثقافة العربية «سمعتها» ومكانتها، ويعمل على تطويرها بما يلائم أذواق جيل أثبتت شرائح عريضة منه أنه مولع بتقليد الغرب، وأصبح يطالب بفكر عربي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، حتى في التمثيل والغناء أيضا، لكن من دون النزول إلى حد «الابتذال» والعري لتحقيق النجاح الفني، ذلك أن بعض الفضائيات أصبحت متخصصة في اقتناء وترويج الأغاني التي يأفل نجمها بذات السرعة التي قد يسطع بها في سوق الكاسيت وعبر محطات الفضائيات.
قد تكون حجة رأس المال العربي أنه يبحث عن مشاريع يستثمر فيها أمواله وتدر عليه الأرباح، ومن حق أي ملياردير عربي أن يرفض ضخ ّ «عرق جبينه» في مؤتمرات ومحاضرات أو مؤلفات لا تجد طريقها إلى القارئ والمستمع والمشاهد. بيد أن الساحة الثقافية العربية تضجّ بإنتاجات وأعمال أدبية وفنية وجدت طريقها ليس إلى القارئ والمشاهد العربي فحسب، بل لقيت إعجاب الغرب الذي تهافت على ترجمتها ودعوة أصحابها للمحاضرة أمام شعوبهم.
يكفي أن نستذكر عشرات القصائد والأغاني العربية التي ترجمت إلى لغات عالمية مختلفة، ومن مختلف الطبوع الفنية التي تزخر بها المنطقة العربية من مشرقها إلى مغربها، من أغاني ألف ليلة وليلة إلى أغنية «أنا وليلى» للفنان العراقي كاظم الساهر، والتي احتلت المرتبة الثامنة عالميا حسب استفتاء أجرته إذاعة «بي.بي.سي» البريطانية، وصولا إلى ملك أغنية الراي الجزائرية الشاب خالد والأمير مامي اللذين ترجمت العديد من أغانيهما إلى لغات عالمية عدة.
وفي مجال العمل السينمائي، تتعد الأعمال الفنية التي نالت جوائز دولية، ويكفي الاستشهاد - على سبيل المثال لا الحصر- برواية عمارة «يعقوبيان» التي تحولت عملا سينمائيا رائعا لقي رواجا عالميا ضخما، وترجمت الرواية إلى لغات عدة، تماما مثلما ترجمت مؤلفات الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي إلى 12 لغة.. وهلم جرّ.
مثل تلك الأعمال العربية الناجحة عادة ما يشكو أصحابها فقر الدعم المالي والترويج الإعلامي، ولا ينتبه إليها مسؤولو الثقافة العرب ورجال الأعمال إلاّ حينما يعترف بها غيرنا للأسف!
 
الإسم
 
البريد الإلكتروني
الموضوع
الصورة
التعليق
 
All rights reserved FADAKOM 2008